
بقلم: عبدالقادر يوسف بن جاسم
المشهد العام لصناعة السيارات مظلم في كافة الأسواق، ولكن هناك بريق لعدة عوامل تدعو إلى التفاؤل خصوصاً في أسواق منطقة الشرق الأوسط، فبعد أن امتص السوق حالة الهلع التي أدت إلى تراجع كبير في سيولة سوق السيارات المحلية في كافة الأسواق الخليجية متأثرة بعزوف البعض بانتظار فرص أفضل أو بسبب شح التمويل، جاءت مرحلة تأسيس جديدة يقودها بالدرجة الأولى انخفاض تكلفة التمويل، وهذا من شأنه أن يساعد على تشجيع المبيعات.
كما يأتي أيضاً دافع آخر وهو تراجع مدى التشدد السابق في تقديم التمويل خصوصاً لموظفي القطاع الخاص، حيث بدأت تنظر البنوك إلى أن الموظفين المستمرين في عملهم الآن من المرجح استمرارهم على المدى الطويل في وظائفهم، هذا بالإضافة إلى تراخي الرقابة الصارمة للجهات الرقابية التي تخضع لها البنوك في الشهر منذ بضعة أسابيع.
التمويل وفائض سيولة البنوك
يجدر الانتباه إلى أن أسواق الخليج باستثناء قطر والإمارات يتوفر لدى بنوكها فائض سيولة ضخم يتجاوز في الكويت وحدها 10.3 مليار دينار كويتي أي نحو 36 مليار دولار أمريكي، والفائض لدى بنوك السعودية أكبر من ذلك، ولا تكفي عمليات إصدار السندات الحكومية منخفضة العائد لتوظيف السيولة الفائضة لدى البنوك، ولا أدلّ على ذلك من تغطية الاكتتاب في السندات بسبعة أضعاف العرض وثمانية أضعافه خلال الفترة الماضية، وهذا دافع للبنوك إلى التوجه من جديد إلى التمويل الاستهلاكي (تمويل الأفراد) بدون ضمانات سوى الراتب الشهري، وبالتالي يستفيد سوق السيارات بالدرجة الأولى من التحرك في هذا القطاع الائتماني.
ومع عودة التمويل جزئياً ليجري في شريان سوق السيارات الخليجي سيولة كانت شحيحة يأتي قرب تقديم سيارات جديدة للسنة الطرازية 2010، وهو عامل تشجيع جديد إذا ما نظرنا إلى اجتماع ميزات اللحاق بأشهر الصيف وخصوصاً أغسطس وأيضاً شهر رمضان المبارك، لذا من المتوقع أن يكون الموسم الصيفي هذه السنة ممتد إلى الخريف.
ومن أهم المؤثرات التي يمكن للسوق أن يتأثر إيجاباً بها هو عودة الذين أجلوا خلال الأشهر الثمانية أو التسعة الماضية قرار الشراء سواء كان القرار من العميل أو كان مجبراً على التأجيل بسبب مخاوف أو امتناع الممولين، ولا يمكن استبعاد احتمال أن يكون السوق الخليجي على أعتاب قفزة قريبة في مبيعات السيارات إثر هذه العوامل.
نظرة تاريخية
وإذا نظرنا إلى تاريخ حالات التراجع وحالات النمو في سوق السيارات الجديدة على وجه الخصوص منذ عام 1992 إلى 2008 نجد أنه لا يوجد موجة نمو قصيرة، بل تمتد إلى عامين بحد أدنى وتصل إلى نحو ثلاثة أعوام ونصف أحياناً، وقد لا ينطبق هذا الحال في الوضع الراهن بسبب حجم الأزمة الاقتصادية، ولكن يبقى أنه من الأرجح أن تستمر حالة النمو، خصوصاً عند الأخذ بعين الاعتبار أن المؤثرات المرتبطة بتغير أو تشدد السياسات الائتمانية غير المرتبطة مباشرة بالأزمة قد تم امتصاص معظمها، فخلال فترة عام مضى ويضاف لها نحو عام ونصف قادمة سيدخل إلى السوق المزيد من الراغبين بالشراء بعد تغطية جزء معتبر من إجمالي مديونياتهم مما يرفع قدرتهم الائتمانية وبالتالي الشرائية، وتأتي هذه الموجة التي قد تكون كبيرة بشكل تدريجي أشبه بالمد منها إلى الموجة، رائدها أو بشيرها هو تدفق السيولة والمبيعات للأسباب التي ذكرناها في الفقرات السابقة.
نجوم المرحلة
وتجدر هنا مراجعة مقال سابق نشر في هذا الموقع في 7 فبراير الماضي بعنوان «من هم نجوم المستقبل القريب؟!».
وأيضاً تجدر الإشارة إلى أن تاريخ نمو المبيعات في الفترات التالية للتراجعات تكون في أولها موجة كبيرة من الطلب على «النجوم» بينما يبدأ التوسع والتنوع في الشق الثاني من فترات الرواج، وهنا يكون دور القائمين على وضع خطط المبيعات لدى وكلاء وموزعي السيارات كبيراً من أجل اقتناص حصة سوقية أكبر، ويجب أيضاً على إدارات الوكلاء والموزعين الانتباه إلى أن النمو الذي قد يشهده بعضهم هو في الحقيقة تراجع كونه أدنى من معدل النمو العام في السوق.
المنافسة غير السعرية
وعند النظر إلى التنافس على الحصة السوقية يذهب الغالبية إلى فكرة زيادة الوحدات المباعة «عدد السيارات» دون النظر بالقدر الكافي إلى القيمة الإجمالية للمبيعات والربحية، فيميل كثيرون إلى منافسة سعرية شرسة فيفوت معظمهم أن الحساسية تجاه السعر اليوم وفي ظروف الأزمة ليست أكبر المؤثرين بل إنها في بعض الأحيان تكون آخرهم، ولعل المؤثر الأكبر يكون بشكل مباشر وغير مباشر هو جودة المنتج وجودة الخدمة بعد البيع، فبشكل مباشر تؤثر جودة المنتج وجودة الخدمة بعد البيع وتكلفتها على القرار أكثر في ظل وجود ميل للعميل المحتمل «وإن كان غير حقيقي» إلى الاحتفاظ بالسيارة لمدة أطول، أما التأثير غير المباشر فينعكس أثر الجودة بشقيها على قيمة السيارة عند إعادة بيعها وهذا عامل مؤثر أكثر من غيره في ظروف السوق المأزوم أو حتى عند بداية الخروج من الأزمات، ويمكن لمن يرغب بالاستزادة أن يراجع مبيعات السيارات حسب الموديل وليس الماركات فقط في أول ثلاثة أشهر تبدأ بها مرحلة نمو المبيعات منذ بداية تسعينيات القرن الماضي وإلى اليوم.
وختاماً يصِح التنويه إلى أن الذين استثمروا أكثر في ولاء عملائهم وحسن خدمتهم وقاموا بتطوير مراكزهم خلال الفترة الماضية هم الأوفر حظاً خلال الفترة القادمة، فكلٌ يعيش اليوم في البيت الذي بناه أمس وسيعيش غداً في البيت الذي يبنيه اليوم.